ابن كثير

112

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال ابن أبي نجيح عن أبيه : أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه فقال له : يا فلان أشعرت أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ، فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة . ثم قال تعالى منكرا على من حصل له ضعف أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي رجعتم القهقرى وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه ، واتبعوا رسوله حيا وميتا . وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع ، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما أن الصديق رضي اللّه عنه ، تلا هذه الآية لما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال البخاري « 1 » : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني أبو سلمة أن عائشة رضي اللّه عنها ، أخبرته أن أبا بكر رضي اللّه عنه ، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ، فتيمم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو مغشى بثوب حبرة ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي واللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها . وقال الزهري : حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس فقال : اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس فأقبل الناس إليه وتركوا عمر ، فقال أبو بكر : أما بعد من كان يعبد محمدا ، فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت . قال اللّه تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ - إلى قوله - وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال : فو اللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها ، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال : واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت « 2 » حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى هويت إلى الأرض . وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ، حدثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن عليا كان يقول في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ واللّه لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللّه ، واللّه لئن مات أو قتل لأقتلن على ما قاتل عليه حتى أموت ، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه ، فمن أحق به مني ؟

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( جنائز باب 3 ) ( 2 ) عقر الرجل : بقي مكانه لم يتقدم أو يتأخر لفزع أصابه .